هل يجب أن نحب عملنا؟
وضعت عبارة "اتبع شغفك" سقفًا لا تبلغه أغلب الوظائف. والمعيار الأدق للوظيفة الجيدة هو ما تضيفه إلى حياتك مقارنةً بما تأخذه منها.
خطر لي هذا السؤال بعد أشهر من سماع النصيحة نفسها تتكرر: اتبع شغفك، وإذا أحببت عملك فلن تشعر يومًا أنك تعمل.
تبدو النصيحة كريمة، لكنها في الواقع جعلت القرار المهني أصعب على كثير من الناس.
نوعان من الناس
أعرف أشخاصًا يحبون وظائفهم، وتمر عليهم مع ذلك أيام يتمنون فيها لو لم يفتحوا الحاسوب أصلًا. وأعرف آخرين لا يعدّون عملهم شغفًا كبيرًا، لكنهم مرتاحون فيه، ويعيشون حياة متوازنة، ويشعرون بالرضا في نهاية اليوم.
لو كان الحب هو المقياس، لكان الفريق الأول في المكان الصحيح والثاني في المكان الخطأ. والواقع يقول غير ذلك.
لقد اختصرنا الخيار، من غير أن ننتبه، في احتمالين: إما أن نعشق عملنا، أو أننا في الوظيفة الخطأ. بينما تقع أغلب المسيرات المهنية بين هذين الطرفين، وأغلبها بخير.
نطلب من العمل أكثر مما كان يعطي
كانت الوظيفة عند كثير من آبائنا مصدر دخل وأمان، وكان هذا هو العقد.
أما اليوم فننتظر من الوظيفة نفسها أن تمنحنا الشغف، والمعنى، والتقدير، والتطور، والتوازن النفسي، وأن تكون جزءًا من هويتنا كذلك. وتشير دراسات القوى العاملة العالمية هذا العام إلى الاتجاه نفسه: عدد أقل من الناس يقولون إنهم واثقون وراضون عن مسارهم المهني، بينما يتزايد القلق من سرعة التغيير، ومن أثر الذكاء الاصطناعي على الوظائف.
وحين تكبر التوقعات إلى هذا الحد، تصبح خيبة الأمل شبه مؤكدة. لا لأن الوظائف سيئة، بل لأننا حمّلناها قائمة لم تُصمَّم أي وظيفة لحملها.
أسئلة أدق من "هل أحبه؟"
حين يأتيني شخص متردد بين البقاء والرحيل، نادرًا ما أبدأ بالشغف. أبدأ بأسئلة إجاباتها أوضح:
- هل ما زلت أتعلم؟ لا أقصد الدورات، بل المشكلات التي توسّع قدراتي.
- هل جهدي مقدَّر؟ في الراتب، أو في الثقة، أو في نوع العمل الذي يُسند إليّ بعد ذلك.
- هل يمنحني استقرارًا يتيح لي التخطيط لبقية حياتي؟
- هل يحترم وقتي خارج ساعات العمل؟
- هل أستطيع أن أنمو فيه دون أن يستنزفني بالكامل؟
إذا كانت أغلب الإجابات "نعم"، فغياب الشغف ليس سببًا كافيًا للرحيل. وإذا كانت أغلبها "لا"، فلن ينقذ الشغف الوظيفة طويلًا.
ماذا يعني هذا لقرارك المهني؟
من الطبيعي ألّا تحب كل تفاصيل عملك. ستكون هناك مهام مملة، وأسابيع ثقيلة، وفترات طويلة يغيب فيها الحماس، وهذا لا يعني أنك أخطأت الاختيار.
أما ما لا أقبله فهو أن يصبح العمل شيئًا نحاول النجاة منه كل يوم. تلك مشكلة مختلفة، وتستحق قرارًا حقيقيًا بدل عام آخر من الانتظار.
الرضا المهني الحقيقي في نظري ليس أن تحب كل دقيقة في عملك، بل أن يمنحك عملك حياة جيدة ومساحة للنمو، دون أن تخسر نفسك في الطريق.
لذلك فالسؤال الذي أتركه لك ليس: هل تحب وظيفتك؟ بل: هل يضيف عملك إلى حياتك أكثر مما يأخذ منها؟ وإن لم تكن متأكدًا من الإجابة، فهذا سؤال يستحق جلسة جادة.