التشخيص قبل التسمية
الاحتراق الوظيفي، والإدارة التفصيلية، والانسحاب الصامت، والبيئة السامة. مصطلحات تنتشر أسرع مما تُفهم، وحين يسبق المصطلحُ التشخيصَ يكون العلاج غالبًا في غير موضعه.
ألاحظ في الفترة الأخيرة أن بعض المصطلحات المهنية صارت تُستخدم أكثر مما تُفهم.
ويبدأ الأمر غالبًا بشكل طبيعي: يبرز مصطلح، فينتشر في المحتوى المهني، ويتكرر في النقاشات، ثم تنشأ بعد مدة ما يشبه "الهبّة الجماعية" في تبنّيه وتعميمه على مواقف مختلفة، حتى لو كانت أسبابها مختلفة تمامًا.
- أي موظف تراجع أداؤه: احتراق وظيفي.
- أي مدير يتابع التفاصيل: إدارة تفصيلية (Micromanagement).
- أي شخص فتر حماسه: انسحاب صامت (Quiet Quitting).
- أي خلاف مع المدير: بيئة عمل سامة.
ومع كثرة التكرار لا يبقى المصطلح وصفًا للحالة، بل يبدأ في تشكيل الطريقة التي نفهم بها الحالة من الأساس. وهنا تبدأ المشكلة.
عَرَض واحد وأسباب متعددة
حين يتراجع أداء موظف، لا ينبغي أن يكون السؤال الأول: هل يعاني احتراقًا وظيفيًا؟
قد يكون احتراقًا فعلًا، وقد يكون:
- فجوة كفاءة: الدور كبر والمهارات لم تواكبه.
- أولويات غير واضحة: الشخص يجتهد، لكن في غير ما هو مطلوب.
- عدم ملاءمة الدور نفسه له.
- أو ببساطة تقصيرًا يحتاج إلى معالجة مباشرة.
والأمر نفسه مع المدير الذي يتابع موظفه باستمرار: هل هو حقًا مدير تفصيلي؟ أم أن مستوى الأداء الحالي يتطلب متابعة أقرب لفترة؟
ولكل سبب من هذه الأسباب معالجة مختلفة؛ فالإجازة لا تسد فجوة مهارة، والتدريب لا يعالج غموض الأولويات، والحديث الصارم عن الأداء لا يفيد شخصًا مستنزفًا حقًا.
لماذا يهم هذا المؤسسة؟
يبدو استخدام كلمة في غير موضعها أمرًا بسيطًا، لكنه مع الوقت ليس كذلك.
فحين تقود المصطلحاتُ الرائجة النقاش، تصنع فهمًا جماعيًا مبسّطًا للعلاقات المهنية: يفسّر الموظف تجربته من خلال المصطلح الرائج، ويُحكم على ممارسات المدير من خلاله، وتبدأ المؤسسة في معالجة الأعراض بدل الأسباب؛ برنامج للرفاه الوظيفي لمشكلة في الهيكل، أو دورة قيادية لمشكلة في تصميم الدور.
المصطلح إذا سبق فهم الحالة، قادنا غالبًا إلى تشخيص خاطئ.
فليست كل تجربة مزعجة في العمل ظاهرة تنظيمية، وليس كل سلوك إداري غير مريح ممارسة خاطئة، كما أن ليس كل تراجع في الأداء سببه الموظف.
كيف نشخّص أولًا؟
في عملي، الانضباط المطلوب بسيط، وإن لم يكن سهلًا:
- صِف ما تراه قبل أن تسمّيه. "تأخر التسليم في ثلاثة مشاريع منذ مارس" حقيقة، أما "احتراق وظيفي" فاستنتاج.
- ضع أكثر من سبب محتمل وابحث عن دليل لكل واحد منها.
- تحدّث مع الشخص قبل أن تقرر اسم حالته.
- افحص النظام المحيط به: الدور، وحجم العمل، وخط الارتباط، والأهداف. فكثير من "مشكلات الأفراد" هي في حقيقتها مشكلات تصميم.
المصطلحات المهنية مهمة، لكن المفترض أن تساعدنا على فهم الواقع لا أن تختصره لنا. وقبل أن نتفق على المسمّى، علينا أن نتأكد أننا متفقون على التشخيص.